الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وبعد:
َقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد ابْنُ تيمية رَحِمَهُ اللَّهٌُ:
تَنَازَعَ النَّاسُ: أَيُّمَا أَفْضَلُ كَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ؟ أَوْ طُولُ الْقِيَامِ ؟ وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ أَحْمَد فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : إحْدَاهُنَّ : أَنَّ كَثْرَةَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَفْضَلُ وَهِيَ الَّتِي اخْتَارَهَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ . وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ . وَالثَّالِثَةُ : أَنَّ طُولَ الْقِيَامِ أَفْضَلُ وَهَذَا يُحْكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ . فَنَقُولُ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا صُورَتَانِ : إحْدَاهُمَا : أَنْ يُطِيلَ الْقِيَامَ مَعَ تَخْفِيفِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ . فَيُقَالُ : أَيُّمَا أَفْضَلُ ؟ هَذَا أَمْ تَكْثِيرُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ تَخْفِيفِ الْقِيَامِ ؟ وَيَكُونُ هَذَا قَدْ عَدَلَ بَيْنَ الْقِيَامِ وَبَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَخَفَّفَ الْجَمِيعَ . وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يُطِيلَ الْقِيَامَ فَيُطِيلَ مَعَهُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَيُقَالُ : أَيُّمَا أَفْضَلُ ؟ هَذَا أَمْ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ ؟ وَهَذَا قَدْ عَدَلَ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي النَّوْعَيْنِ لَكِنْ أَيُّمَا أَفْضَلُ تَطْوِيلُ الصَّلَاةِ قِيَامًا وَرُكُوعًا وَسُجُودًا أَمْ تَكْثِيرُ ذَلِكَ مَعَ تَخْفِيفِهَا ؟ فَهَذِهِ الصُّورَةُ ذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ فِيهَا ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي أَنَّ النِّزَاعَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى أَيْضًا .
وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الصُّورَةَ الْأُولَى تَقْلِيلُ الصَّلَاةِ مَعَ كَثْرَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَتَخْفِيفُ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِ الْقِيَامِ وَحْدَهُ مَعَ تَخْفِيفِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ . وَمَنْ فَضَّلَ تَطْوِيلَ الْقِيَامِ احْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ : أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ فَقَالَ : طُولُ الْقُنُوتِ } .
وَظَنُّوا أَنَّ الْمُرَادَ بِطُولِ الْقُنُوتِ طُولَ الْقِيَامِ وَإِنْ كَانَ مَعَ تَخْفِيفِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ . فَإِنَّ الْقُنُوتَ هُوَ دَوَامُ الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ وَيُقَالُ لِمَنْ أَطَالَ السُّجُودَ : إنَّهُ قَانِتٌ . قَالَ تَعَالَى :
{ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ }
فَجَعَلَهُ قَانِتًا فِي حَالِ السُّجُودِ كَمَا هُوَ قَانِتٌ فِي حَالِ الْقِيَامِ، وَقَدَّمَ السُّجُودَ عَلَى الْقِيَامِ . وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى قَالَ : { وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا } وَلَمْ يَقُلْ قُنُوتًا، فَالْقِيَامُ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْقِيَامِ لَا بِلَفْظِ الْقُنُوتِ . وَقَالَ تَعَالَى : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } فَالْقَائِمُ قَدْ يَكُونُ قَانِتًا وَقَدْ لَا يَكُونُ، وَكَذَلِكَ السَّاجِدُ . فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ أَنَّ طُولَ الْقُنُوتِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْقُنُوتَ فِي حَالِ السُّجُودِ وَحَالِ الْقِيَامِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَأَنَّ تَطْوِيلَ الصَّلَاةِ قِيَامًا وَرُكُوعًا وَسُجُودًا أَوْلَى مِنْ تَكْثِيرِهَا قِيَامًا وَرُكُوعًا وَسُجُودًا ؛ لِأَنَّ طُولَ الْقُنُوتِ يَحْصُلُ بِتَطْوِيلِهَا لَا بِتَكْثِيرِهَا، وَأَمَّا تَفْضِيلُ طُولِ الْقِيَامِ مَعَ تَخْفِيفِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى تَكْثِيرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَغَلَطٌ . فَإِنَّ جِنْسَ السُّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ جِنْسِ الْقِيَامِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ السُّجُودَ بِنَفْسِهِ عِبَادَةٌ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُفْعَلَ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالْقِيَامُ لَا يَكُونُ عِبَادَةً إلَّا بِالنِّيَّةِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَقُومُ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُ وَلَا يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ .
الثَّانِي : أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ السُّجُودِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ صَلَاةٍ فِيهَا رُكُوعٌ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ سُجُودٍ، لَا يَسْقُطُ السُّجُودُ فِيهَا بِحَالِ مِنْ الْأَحْوَالِ، فَهُوَ عِمَادُ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا الْقِيَامُ فَيَسْقُطُ فِي التَّطَوُّعِ دَائِمًا وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ، وَكَذَلِكَ يَسْقُطُ الْقِيَامُ فِي الْفَرْضِ عَنْ الْمَرِيضِ، وَكَذَلِكَ الْمَأْمُومُ إذَا صَلَّى إمَامُهُ جَالِسًا . كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ . وَسَوَاءٌ قِيلَ : إنَّهُ عَامٌّ لِلْأُمَّةِ، أَوْ مَخْصُوصٌ بِالرَّسُولِ، فَقَدْ سَقَطَ الْقِيَامُ عَنْ الْمَأْمُومِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَالسُّجُودُ لَا يَسْقُطُ لَا عَنْ قَائِمٍ وَلَا قَاعِدٍ، وَالْمَرِيضُ إذَا عَجَزَ عَنْ إيمَائِهِ أَتَى مِنْهُ بِقَدْرِ الْمُمْكِنِ وَهُوَ الْإِيمَاءُ بِرَأْسِهِ، وَهُوَ سُجُودُ مِثْلِهِ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد .
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يُومِئُ بِطَرَفِهِ فَجَعَلُوا إيمَاءَهُ بِطَرَفِهِ هُوَ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ فَلَمْ يُسْقِطُوهُ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ تَسْقُطُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَلَا تَصِحُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ فِي الدَّلِيلِ ؛ لِأَنَّ الْإِيمَاءَ بِالْعَيْنِ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ وَلَا يَتَمَيَّزُ فِيهِ الرُّكُوعُ عَنْ السُّجُودِ وَلَا الْقِيَامُ عَنْ الْقُعُودِ بَلْ هُوَ مِنْ نَوْعِ الْعَبَثِ الَّذِي لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ تَعَالَى .
وَأَمَّا الْإِيمَاءُ بِالرَّأْسِ : فَهُوَ خَفْضُهُ وَهَذَا بَعْضُ مَا أُمِرَ بِهِ الْمُصَلِّي، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ :
{ إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فائتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ }
وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ مِنْ السُّجُودِ إلَّا هَذَا الْإِيمَاءَ، وَأَمَّا تَحْرِيكُ الْعَيْنِ فَلَيْسَ مِنْ السُّجُودِ فِي شَيْءٍ . وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الصَّلَاةِ مِنْ السُّجُودِ، وَهَذَا يَقُولُ الْإِيمَاءُ بِطَرْفِهِ هُوَ سُجُودٌ، وَهَذَا يَقُولُ لَيْسَ بِسُجُودِ فَلَا يُصَلِّي . فَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ تَصِحُّ مَعَ الْقُدْرَةِ بِلَا سُجُودٍ لَأَمْكَنَ أَنْ يُكَبِّرَ وَيَقْرَأَ وَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ فَيَأْتِي بِالْأَقْوَالِ دُونَ الْأَفْعَالِ، وَمَا عَلِمْت أَحَدًا قَالَ إنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ بِمُجَرَّدِ الْأَقْوَالِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ السُّجُودِ . وَأَمَّا الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ فَيَسْقُطَانِ بِالْعَجْزِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ فَعُلِمَ أَنَّ السُّجُودَ هُوَ أَعْظَمُ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْقِيَامَ إنَّمَا صَارَ عِبَادَةً بِالْقِرَاءَةِ أَوْ بِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرٍ وَدُعَاءٍ، كَالْقِيَامِ فِي الْجِنَازَةِ ،فَأَمَّا الْقِيَامُ الْمُجَرَّدُ فَلَمْ يُشْرَعْ قَطُّ عِبَادَةً مَعَ إمْكَانِ الذِّكْرِ فِيهِ . بِخِلَافِ السُّجُودِ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ بِنَفْسِهِ عِبَادَةً حَتَّى خَارِجَ الصَّلَاةِ شَرَعَ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَأَمَّا الْمَأْمُومُ إذَا لَمْ يَقْرَأْ فَإِنَّهُ يَسْتَمِعُ قِرَاءَةَ إمَامِهِ، وَاسْتِمَاعُهُ عِبَادَةٌ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ وَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ . وَاَلَّذِينَ قَالُوا لَا قِرَاءَةَ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |